عن قطاع غزة والتهدئة والمحاذير

ياسر الزعاترة

كان مشروع شارون المسمى «الحل الانتقالي بعيد المدى» يقوم على تسكين وضع القطاع، وجعل علاقته بالقضية الفلسطينية أشبه بالدول المحيطة الأخرى، ومن ثم نقل التجربة إلى الضفة الغربية، ولكن في سياق آخر يتمثل في التخلص من عبء إدارة السكان من دون التخلي عن الأرض.

كان ذلك الكلام يقوم على فرضية أنّ محمد دحلان هو من سيقوم بذلك، باعتباره المسيطر حينئذ، لكن مياهاً كثيرة جرت في النهر بعد ذلك، إذ خاضت حماس انتخابات السلطة التي سبق أن رفضتها «محقة» في عام 1996، لأنها سلطة مصممة لخدمة الاحتلال، ولن تكون غير ذلك إلا بقرار ثوري لن يتأتى مع القيادة الجديدة، بخاصة أن عرفات قد جرّب التمرد فكانت النتيجة هي اغتياله.

بعد الانتخابات؛ جاء الحسم العسكري الذي كرّس قطاع غزة كشبه دولة منفصلة، فيما تجاهل من اتخذوا قرار الحسم كل الأسئلة التي كان عليهم أن يسألوها قبل اتخاذ القرار، ممثلة فيما بعد ذلك. فهنا ثمة قطاع يتشكل من 362 كيلومتر مربع (1.5% من مساحة فلسطين التاريخية)، وهو أسير وضع جغرافي يجعله بين النظام المصري وبين الاحتلال. صحيح أن له بحراً، وهذه ميزة لا تتوافر للضفة الغربية، إلا أنه بحر يسيطر عليه الاحتلال، ولن يُفتح كمنفذ إلا ضمن شروطه، ما لم تتغير موازين القوى برمتها.

حين نتحدث في هذا البعد التاريخي، يغضب البعض معتبرين أن ذلك عودة للوراء، فيما المطلوب اليوم هو الإجابة عن السؤال الراهن، ممثلاً في حاجة أهل القطاع إلى قليل من الراحة في ظل وضع كارثي، لكن إعادة تقدير الموقف ليست نافلة؛ أقله من أجل التعلم من الأخطاء.

أيًّا يكن الأمر، فقد اجتهد من أداروا الأمر في القطاع في صياغة حالة مقاومة ممتازة، بعد اجتهادهم في قرار الحسم، وواصلوا الليل بالنهار، ودفعوا لقاء ذلك حشوداً من خيرة الشهداء، لكن ميزان القوى ظل يفرض نفسه، فهنا قطاع يمكنه رد العدوان، ولكن لا يمكنه فتح مواجهة مسلحة مع العدو بسبب خلل ميزان القوى، فكيف إذا كان خيار الطرف الفلسطيني الآخر المعترف به دولياً كممثل للفلسطينيين لا يزال هو ذاته، ممثلاً في التعاون الأمني مع الاحتلال، والقبول بسلطة تحت عباءته وفي خدمته؟!

اليوم تتحرك حماس في القطاع، وهاجسها الأكبر هو المتمثل في فك الحصار عن الناس الذين تعبوا، فيما هي تواجه مأزقاً ما يريده الاحتلال ممثلاً في تحويل القطاع إلى «كيان» مجاور لا شأن له بالقضية (تصريحات وزير الاستخبارات الإسرائيلي الأربعاء قالت ذلك دون رتوش)، مع قيود على السلاح، وفي مأزق ما يريد الجار المصري (وتحالفه بالطبع) الذي يرى حماس جزءاً من «الإسلام السياسي» الذي يطارده، وفوق ذلك في مأزق ما يريده عباس عبر نظرية (إما كل شيء أو لا شيء)، أي السيطرة على سلاح المقاومة، ونقل التجربة الكارثية في الضفة إلى قطاع غزة.

والحق أن المسؤول الأكبر عن هذا البؤس للقطاع، وللقضية عموماً، هو محمود عباس، وهو وحده من يمكنه حل مشكلة القطاع، وعلى حركة «فتح» (بخاصة في غزة) أن تقول له ذلك جهاراً، إذ بوسعه أن يتولى المسؤولية الكاملة، مع ترك سلاح المقاومة، لا سيما أنه سلاح لجميع الفصائل، ويجب الحفاظ عليه.

إذا لم يحدث ذلك، فإن إمكانية تحوّل القطاع إلى «كيان منفصل» ستبقى واردة، سواء تم الاعتراف بذلك علناً، أم قيل إنها تهدئة فقط، ستتجدد تلقائياً (بحسب تعبير أحدهم)، ودعك هنا من إمكانية استغلال ذلك في فرض مسار سيء على الضفة أيضاً (الحل الانتقالي مثلاً)، وفي النهاية فإن عباس هو المسؤول الأكبر عن ذلك، ولن ينفعه الصراخ بتخوين الآخرين، لأنهم أسرى حاجات الناس، فيما بديلهم الآخر هو التخلي عن سلاح المقاومة، وتكريس سلطة في خدمة الاحتلال في الضفة والقطاع، وجعل الصراع مجرد نزاع حدودي لا أكثر، وهو أمر لا يقل سوءاً على القضية برمتها بأي حال. مع التذكير بأن قبول حماس بتهدئة ستتجدد تلقائياً لن يعفيهم من تبعات لاحقة، لأن استهدافها وابتزازها سيتواصل، كجزء من استهداف «الإسلام السياسي» في المنطقة برمتها.

كلمات مفتاحية:

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2018