عائلة خماش..عنوان مذبحة صهيونية جديدة استفاقت عليها غزة
من قصف عائلة خماش

غزة - انتفاضة

اقترب الميلاد، يومان وتدخل إيناس شهرها التاسع، أحضرت سريرًا و"كوتة" لطفلتها وزيَّنته بالألعاب في غرفتها المتواضعة، بمنزلها في دير البلح وسط قطاع غزة، لم يكن ينقصها سوى بعض الملابس لمولودتها.

كانت دقات قلبها في تسارع، قالت لخالتها: "ادعيلي ياخالتي تشرّفنا رزان بالسلامة وميلادي يكون سهّلا، أنا خائفة منه وأشعر أنني سأتعذب فيه".

ولم يخِب قلب الأم ظنًا، فما هي إلا ساعات حتى عاجلها الألم، لكنه لم يكن ألم المخاض، ففي لحظات غفوتها وبينما تلتصق طفلتها بيان ابنة العام ونصف ببطنها تستشعر حبًا بنبضات شقيقتها المنتظرة، أذِن صاروخ إسرائيلي بولادتها مبكرًا، لكن ليس بالطريقة الاعتيادية، فاخترق رحمها ونزع جنينها من أحشائها، قبل أن يشقّ جسد بيان ويحوّل يوم الميلاد إلى مذبحة.

بيان ووالدتها إيناس خماش وجنينها عنوان مذبحة إسرائيلية جديدة استفاق عليها قطاع غزة في عدوان متجدد على سكانه منذ ليلة الأربعاء، نفذتها طائرات حربية بقصف حي الجعفراوي بدير البلح وسط القطاع.

الجنين المفقود بين الأشلاء

تناثرت الأشلاء في زوايا المنزل وصبغت دماء الأم وجنينها جدرانه، وفزع الأهل والجيران إليه يجمعون بصدمة تلك الأشلاء، فوجدوا إيناس ذات الـ23 عامًا قد شٌق بطنها، أما الجنين فقد فتته الصاروخ في زاوية أخرى بالمنزل.

تقول رسمية خماش خالة الشهيدة : "كنا مجتمعين عند أهلي قبل الحدث بساعات، كانت إيناس في غاية التعب واشتكت من أوجاعها كثيرًا، حتى أنها كانت خائفة من الميلاد هذه المرة وطلبت دعواتنا بأن يسهل الله ولادتها".

تضيف "كانت حاملا ببنت وسمتها رزان قبل الميلاد، وجهزت لها في البيت القديم الذي استأجره زوجها مؤخرًا في دير البلح، كان وضعهم صعب جدًا، وكانت إيناس تسكن في منزل عائلة زوجها قبل هذا".

تروي الخالة بشاعة المذبحة: "جاءوا بإيناس وبيان أشلاء للمستشفى، لا ملامح لهم وبطنها ممزق، حتى أننا من شدة الصدمة تذكرنا أنها حامل وتفقدنا الجنين في الأشلاء ولم نجده".

بعد ساعات قليلة وخلال لم الأشلاء عثر الأهل على الجنين بين ركام المنزل مقطعًا، وقد التصقت بعضًا من أشلائه بألعاب بيان التي غادرتها روحها قبل أن تلاعب شقيقتها المنتظرة بها.

تستكمل الخالة حديثها مُدمعة: "لا كلام يصف بشاعة المشهد، لا شيء يُقال إلا أن من ارتكبوا هذه المجزرة لا دين ولا إنسانية لهم".

إيناس التي عاشت ظروفًا معيشية قاسية في بيت أهلها وبعد زواجها، كانت متعلقة حد الجنون بطفلتها بيان، فهي من كانت تخفف عن أبويها ضجيج الحياة المستمر في غزة.

فرحة الميلاد والتخرج

لم يقتل الاحتلال بصاروخه الحربي العائلة فقط، ففي داخل الأجساد أرواح كانت تنتظر إلى جانب فرحة المولود القادم، تخرَّج إيناس التي لم يتبق لها سوى فصل دراسي في الجامعة.

تقول خالتها: "زوجها رغم وضعهم الصعب ساعدها في استكمال دراستها الجامعية خاصة أنها معروفة من أيام المدرسة بتفوقها، وهي في سنتها الرابعة وتعد ليوم تخرجها بعد أربعة شهور".

بكت مرددة "لم نكن نتوقع أن تموت إيناس.. الحدث كان صادما أحرق قلوبنا".

كانت الأم تكتب دومًا لطفلتها وتعدها بأن تفعل كل شيء من أجل ألا تجعلها تحمل همًا في حياتها القادمة، وتقول خالتها: "صدقت وعدها فسبحان الله الذي رحم روحها بأن صعدت معها ابنتها، وإن شاء الله إلى الجنان".

وقتلت "إسرائيل" منذ بداية العامة الجاري 25 طفلاً فلسطينيًا بينهم 21 في قطاع غزة، بحسب تقرير للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال فرع فلسطين.

منزل وحياة مؤقتان

محمد خماش الذي كان يرقد مع زوجته وطفلته لم يفق من المذبحة إلا في أحد أسرة العناية المكثفة بمستشفى شهداء الأقصى بمحافظة وسط غزة، وهو لا يعي ما حدث معه، وقالت الطواقم الطبية إنها تجري التدخلات الطبية له لمحاولة إنقاذ حياته.

يقول قريبه بلال خماش : "حتى اللحظة حالته متوسطة وهو لا يدري بما حدث، وحينما استفاق ظن أن ما حدث معه هو حادث سير"، ولا يعلم أنه زوجته وابنته انطلقتا برفقة رزان في جنازة إلى مثواهما الأخير.

والزوج الجريح شقيق لشهيدين، أحدهما مختار كامل خماش (26 عاما) الذي استشهد بمسيرات العودة في الـ14 من مايو المنصرم، والأخر استشهد في نفق للمقاومة.

وشقيق خماش واحد من 158 شهيدًا و17259 جريحا منذ بدء مسيرات العودة التي انطلقت بمارس المنصرم رفضًا لقرارات الإدارة الأمريكية بشأن القدس وقضية اللاجئين ورفضًا للحصار المتواصل على القطاع.

وبعد.. فالمنزل المستأجر مؤقتًا والحياة والفرحة كانتا مؤقتتين فيه أيضًا، فالأول فرضه ضيق المعيشة المحاصرة من 12 عامًا بغزة، والحياة والفرح قُتلهما صاروخ من الجيش المحاصِر، ودفن تحته ذكريات جميلة لأسرة بسيطة.

كلمات مفتاحية:
عائلة خماش

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2018