"ماما خريجة.. بابا شهيد".. حكايةُ ألم وتحدٍ ترويها "آلاء"

معتز عبد العاطي

ما بينَ مدادِ الحبرِ ومداد الشّهادةِ، حكاياتٌ عظيمةٌ مرصّعة بالتضحياتِ، حكاية فقدٌ وغيابٌ ومثابرةٌ وعهدٌ ووفاءٌ لمن كان حاضرًا جسدًا وروحًا، وغاب الجسدُ وما زالت الرّوح ترفرفُ في سويداء قلبها الرّقيق، حكاية "آلاء" والشهيد "عاصم" وطفلين في عمرِ البراعمِ الصّغيرةِ الجميلة.

ومضَى الفكرُ الحائرُ في ساعاتِ المساءِ، يقلّبُ الذكرياتِ الجميلةَ والحزينةَ، تمسُك بشهادةِ التّخرجِ الجامعيةِ، وهي تضمّ طفليها "عاصم" و"أحمد"، تُناظرُ صورةَ شهيدٍ معلّقةً على الجدارِ المُظلمِ، وشفتاها تمتمُ بالرّحمةِ لروحٍ كانتْ تسكنُ روحَها، تمنّت أن تُبارَك نجاحَها وتخرّجها في هذا اليومِ.

تطوفُ رفقةَ طفليها، مباني الجامعة الإسلامية في غزة، تسرحُ في أبنيتها وقاعاتها وكلية التربية التي تخرّجت منها، فخورةٌ بنفسها التي تحدّت المحن وخرجتْ بنجاحٍ كبيرٍ أهدته لروحِ زوجها الشهيدِ، التي كانت تتمنّى أن يكون معها في هذا اليومِ الجميلِ الموافق للثلاثين من يوليو وهو يوم استشهاد "عاصم"!

" في 2014 نهاية الثانوية العامة، وبداية لرحلةٍ جامعةٍ، كان يتخللها بداية حزينة لفقدان زوجي الغالي في الحرب، لم تشأ الأقدار بأن يحتفل بنجاحي، ولكنه على الأقل أسمعني كلمة "مبارك" في نتائج الثانوية العامة مع أن الأجواء كانت صعبة، إلا أنه بارك نجاحي بامتياز"

وجعُ الغيابِ

كانتْ الأجواءُ ملبّدة بالظلم الإسرائيلي، تُلقي بالموتِ على الآمنين، إنه الثلاثين من يوليو/تموز 2014، حيثُ كان الموتُ يرقبُ أجسادَ الفلسطينيين في كل مكانٍ في غزة، لينقضّ عليها، فاستشهد "عاصم" إثر قصفٍ إسرائيليٍ على مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة.

ألمٌ في القلبِ يضربُ معاقلَ الرّوح، بعد أن فقدتْ زوجها شهيدًا في حربٍ لا تعرف الرّحمة، بنيرانِ احتلالٍ بغيضٍ، ينفذ مجازره بحق الشعب الفلسطيني، ويستأسدُ على العزّل، وعلى الأطفال والنساء والشيوخ، ويريدُ قتل الحياةَ في قلبِ كل فلسطينيِ حر.

تعودُ بـ "آلاء أبو لبدة" "22عامًا"  الذكرياتُ لسنواتٍ خاليةٍ" عندما كنت في الصف العاشر "أول سنة زواج" سألت عاصم "معقول أوصل توجيهي زي هدول البنات"، حكالي إن شاء الله غير توصلي، خلصت عنده دراسة صف 10-11-12 وكان يساندني ويوفر لي أجواء الدراسة الجيدة".

مبارك توجيهي.. تمنيتها في الجامعة

وتواصلُ أملها "طلعت نتائج توجيهي في حرب 2014، وبمعدل امتياز ومع ذلك ما قصّر معي "عاصم" وأحضر لي أغلى أنواع الحلو، كان أكثر مرة أشوفه فرحان فيها، بالرغم من أجواء الحرب"

"بعد أيامٍ قليلةٍ استشهد "عاصم" وبقيت أنا وأحمد وجنيني "عاصم" وشهادة التوجيهي، كانت الشهادة شمعة غير مضيئة بالنسبة إلي، وكان من أصعب لحظاتِ حياتي، إني أدرس بالجامعة في تلك الظروف بالذات، كانت بداية التحدي، درست وخلصت الفصل الأول بمعدل، لكن الحمد لله الأمل كان دائمًا ينيرُ طريقي" تقولُ صاحبةُ التحدّي ومواصلة الطريق.

"كان التحدي الأقوى إني أكمل جامعة مع تدني معدلي في الفضل الأول، حتى أخرج بمعدل فوق 85، وكان النجاح توفيقي بفضل الله ومن ثم إصراري والمساندة من الأهل والأحباب والصديقات والأساتذة الأعزاء" بشيءٍ من القوةِ تتحدثُ "آلاء".

 

ولفصولُ الحكاية بقيةٌ

وتتابعُ فصولُ حكايتها الجميلة "أنا اليوم كخريجة خرجت من رحم حرب 2014، وكملت مشوار مع فقدان أعز عزيز، كان نفسي يشاركني تخرجي بس حكمة الله فوق كل شيء" بعينين كادت أن تخونهما العبراتِ.

وبصوتِ المؤمنة المحتسبة "لك الحمدُ يا الله، ما أخذت إلا لتعطي، متمنيةً لشعب غزة المحاصر أن يفرج الله كربه، ويتقبل الشهداء، ويشفي الجرحى، ويفك قيد الأسرى وننتصر على الاحتلالِ الإسرائيلي.

وتمضِي "آلاء" في أزقة الحياةِ المتعبةِ، تواصل نجاحَها وكفاحها، في ظلّ ضنك العيشِ في قطاع غزة، والحصار المفروض عليها والعقوبات وتكالب القريب والبعيد عليها، معاهدة "عاصم" على المواصلة حتى لقائه في الجنانِ بإذن الله.

كلمات مفتاحية:

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2018