صبحية القواسمي سيدة الخليل وتاجها

سميرة الحلايقة

رفعت يدها مفتوحة بأصابعها الخمسة،قالت بصوت مليء بالإيمان والألم وإن أخذ المرض منه كل مأخذ وقالت (بقي خمسه ) بذلك همست في أذن ابنها محمد الذي خرج من سجون الاحتلال بعد أن أمضى فيها ثلاث سنوات ،كانت أم الحسن تقصد أن خمسة من ابنائها ما زالوا بعيدين عنها ،حسين وحسام وزياد ،يرسفون في سجون الاحتلال تحت أحكام المؤبدات الثلاث ،فيما يعيش ابنها محمود في قطاع غزه والذي ابعد من خلال صفقه وفاء الأحرار وابنها حجازي الذي غادر ارض الوطن لدراسة الدكتوراه في ماليزيا .

كيف أبدأ حديثي حين يعجز الكلام عن هذه السيدة التي فقدتها فلسطين عموما والخليل على وجه الخصوص ،فقد كان أخر عهدي بهذه السيدة في لقاء أخير عصر الثلاثاء ،قبل ساعات من انتقالها الى رحمة الله عندما زرتها في منزلها ،حينما أحست بنا فتحت عيونها عن آخرها ،وأومأت برأسها مرحبة ،قالت كلمة لم أفهمها ،لكن عهدنا بهذه المرأة لا تقول الا خيرا .

كنت قبل ذلك اشاهدها في كل المناسبات ،فهي أم الأسرى ،وأم الشهداء ،وأم المبعدين ،وأم المعذبين الذين عانوا من قهر الاحتلال ،نصف كلامها الحمد لله ونصفه الآخر قنابل حب وعطاء ،فمن مثلك يا أم الحسن سيدة تنضح بالعطاء حتى الرمق الأخير .

عندما استشهد ابنها أحمد في عام 2000 ،قالت الحمد لله من يعرف أحمد يعلم انه من أهل الجنة وأنا راضية عنه ،طارد الاحتلال ابنها مراد لعدة شهور ،توقعت له الشهادة وقالت ان مراد لم يطلب الا الجنة ،وانا أقول الحمد لله ،اي قلب ينبض في صدرك أم الحسن ،فقلبك لا يموت فأنت قد زرعت منه فلذتين في الأرض قبل أن ترحلي .

هدم الاحتلال منزلها مرتين مرة كانت في أيلول سبتمبر من عام 2003 ومرة ثانية في ربيع عام 2014،حينها قالت الحمد لله،ابني سبيني بيته في تل الربيع ،هكذا قالت ومن حمد الله كثيرا والصابرين منهم سيبني لهم الرحمن بيت الحمد في الجنة .

كانت فخورة بأبنائها التسعه ،حسن وحسين وحسام وحجازي ومراد وأحمد ومحمد ومحمود وزياد ،وكانت تعد السنين عمرا طويلا حتى يجتمعوا كما كانوا صغارا ،فحتى عهد قريب قالت أنهم لم يجتمعوا على مائدة واحدة من أكثر من 30 عاما .

عرفتها محاكم الاحتلال ليس فقط من كثرة ما عقدت لأبنائها الثمانية ،بل دخلتها معتقلة ففي منتصف عام 2014 اعتقلها الاحتلال وقد تجاوز عمرها 63 عاما ،التقيت بها بعد الإفراج عنها من سجون الاحتلال ،قالت بأنها تعرضت للإهانة المتعمدة والتفتيش العاري ،وأخذوا منها ملابسها وتركوها في زنزانة انفرادية ،كانوا يريدون النيل من عزيمتها ،لم أشاهد الدموع في عينيها الا في ذلك الوقت ،مؤلم جدا ان تمس عقيدتها تلك التي كانت أغلى ما تملك ،كانوا يسألونها عن ابنائها حسام وحسين ،والذي اتهمهم الاحتلال بالمساهمة في اختطاف الجنود الثلاث وإخفائهم في قطعة ارض تخص العائلة في منطقة حسكة شمال الخليل .
ل
م تزد تلك السيدة عن قول الحمد لله (بعد الصبر نلحس العسل ) حتى كلماتها جميلة نظيفة من الرياء ،عظيمة وشامخة .

حطت رحالها أم الحسن ظهر الأربعاء تركت خلفها سجلا عظيما من التضحية والصبر والعطاء ،تركت روحا تحلق في سماء الخليل وأغمضت عينها على حلم أن يخرج ابنائها الثلاث زياد وحسام وحسين في صفقة مشرفه .

وبعد صراع مع مرض السرطان ،وحملها أهل الخليل بشيبهم وشبابهم وأفاضل القوم وعليائهم ..حملوها على الأكتاف من مسجد أهل الخير القريب على منزلها والذي طالما طربت أذانها بتكبيراته .

لن يسدل التاريخ ستائره على حقبة عاشت فيها صبحية القواسمي أم الحسن لانها شكلت أيقونه ناصعة سيذكرها التاريخ خطتها بماء الذهب والياقوت .

طوبى لأم الحسن في الخالدين

كلمات مفتاحية:

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2018