دمُ الصّفدي يُخضب الأنفاق عزًا

هم جنودُ اللهِ في ساحات الكرامة، هم المعاول التي تحفرُ جسورَ النصر والتحرير، همُ الأقدر والأجدر على مواصلة طريق الجهاد، وحتى بعد استشهادهم، فدماؤهم وقودٌ يسيّر سفينة الجهادِ في سبيل الله، فطوبى لكم أيها الشهداء الأطهار.
رجال وهم في كلِّ مكانٍ قلائل إلا في فلسطين، فأرض تنجب أمثال رجل الأنفاق "محمود الصفدي" يدعو الله صباح مساء أن يكون أول الشهداء، لا يمكن أن يقل فيها الرجال أو يندرون.

ميلاد البطل

كانت غزة بتاريخ 27/8/1986م على موعد مع ميلاد طفل جديد لا يعرف الخضوع أو الخذلان، إنما يعرف العزة والإقدام، إنه الشهيد القسامي "محمود عبد الحي الصفدي" والذي نشأ وترعرع في حي الدرج بأحضان عائلة متدينة، ويتربى على حب وطنه ودينه ومعاني الرجولة والشجاعة.
كان محمود نسمةً تصافح قلوب من يختلطون به، فقد كان شديد الحب لأهله وأصدقائه وإخوانه، مخلصاً لهم لا يبخل عليهم بكل ما تجود به النفس، يشاركهم في أفراحهم وأحزانهم ومناسباتهم كلها، مما أكسبه حبَّهم وتقديرهم، فكان يستثمر ذلك الحب والتقدير في دعوتهم لدين الله تعالى ولما فيه صلاحهم.
وفي الحي الذي عاش فيه، عرف محمود – رحمه الله-بحسن أدبه وعلو أخلاقه وجمال صفاته وسماته، وتميز بعلاقاته الممتازة مع جميع أهل الحي الذين كانوا يكنون له الكثير من الحب والود والاحترام، فقد كان يقدم يد المساعدة والعون لكل من يحتاج لها دون أن يطلب منه، وكان يمشي بين أهل الحي بكل حب وخير وصلاح، ينهاهم عن فعل المنكر، ويحثهم على الخير والرشاد وطاعة الله عز وجل.
بدأ الشهيد القسامي مرحلة دراسته الابتدائية في مدرسة صلاح الدين، ومن ثم أكمل دراسته الإعدادية في مدرسة يافا، ولم يكمل شهيدنا المجاهد دراسته الثانوية، ولجأ للعمل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

التزامه الدعوي

كان محمود رحمه الله من الذين بكّروا في التزامِهم بالمسجد، فمنذُ أن كان طفلاً وهو في مسجدِه "التوبة" على موائدِ القرآن الكريم، يتعلم ويحفظ ويزداد نوراً بنور القرآن.
تحوَّل شغفه بالمسجد إلى التزام حديدي عندما كَبُر، فشارك شهيدنا محمود -رحمه الله-إخوانه في المسجد في جميع نشاطاتهم، فعمل ضمن اللجنة الدعوية، وعمل أيضاً في لجنة العمل الجماهيري والتي كان فاعلاً ونشيطاً فيها، وكان محافظاً مع إخوانه على قراءة وتلاوة القرآن الكريم في المسجد وحضور الدروس والمواعظ الدينية.
تلقى على يد دعاةِ ومشايخِ الحركة الدروسَ والدورات الدينية والدعوية إلى أن أصبح واحداً من أبناء جماعة الإخوان المسلمين فاستحقَّ أن يكون مثالاً للشاب الملتزم بحركته والمنتمي إليها قلباً وقالباً وقولاً وفعلاً.

حياته الجهادية

لم يكتف الفتى التقي الورع بنشاطاته الدعوية في إطار مسجده ومنطقته، بل سعى رغم حداثة سنه لأداء فريضة الجهاد، وحمل البندقية دفاعاً عن الدين والوطن، فعمل جاهداً على الالتحاق بكتائب الشهيد عز الدين القسام.
انضم محمود إلى صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" في بداية عام 2009 من باب حبه للجهاد والاستشهاد في سبيل الله، ورغبته الشديدة في الدفاع عن أرض فلسطين من دنس المحتل، وكانت بدايته مشرقة في صفوف الكتائب، وكان محافظاً على موعد رباطه على الثغور، وقد اتسم بالسرية والنشاط في جميع المهام والدورات العسكرية.
حرص محمود على السمع والطاعة لأمرائه، وعلى التسابق إلى الجهاد والإعداد في سبيل الله، حيث كان من الجنود المميزين والمتفانين في سبيل الله، وكان شهيدنا يسعى دائما لنيل الشهادة في سبيل الله.
مرَّ الشهيد البطل في عمله الجهادي بالعديد من المراحل، حتى وصل إلى قائد مجموعة، وقد شارك في العديد من التخصصات والقدرات العسكرية، فبجانب رباطه في سبيل الله، انضم المجاهد إلى وحدة حفر الأنفاق القسامية، فكان يغيب عن الشمس لوقتٍ طويل، من أجل يحفر ممراتٍ نحو العزة والكرامة، ويدك المجاهدون حصون الأعداء.
عرف محمود بين اخوانه بحسن الأخلاق مقداماً، لم يكن كثير الكلام، بل كان يتحدث فيما يخص العمل، كان ملتزماً بما يوكل إليه من مهام صعبة، مطيعا ولم يتوان عن ذلك أي لحظة، ولم يتأخر عن أداء مهامه.
ومن صفاته الجهادية أيضاً التي كان يتمتع بها أنه كان عسكرياً شجاعاً واسع الصدر، يحب الإخوان دائماً بذكرهم بالله عز وجل ويحثهم على الصبر والثبات عند اللقاء.

موعد الشهادة

كان الدعاء بأن يرزقه الله الشهادة حاضراً دائماً على لسانه، وكأنه على يقين أنَّ المرء إذا "صدق الله" سيصدقه الله.
فبعد رحلة جهادية طويلة صعدت روحه الطَاهرة إِلى رَبها شاهدةً عَلى ثَباته وصبره واحتِسابه، فما وهن ولا استكان، ولم يعرف للراحة طعم، ليلحق على عجل مبتسماً مرحاً سعيداً بركب الشهداء.
كان محمود على موعد الفراق لهذه الدنيا الزائلة والانتقال لجنة الخلود والبقاء شهيداً –بإذن الله تعالى-يوم الأربعاء الموافق 31/01/2018م أثناء عمله في نفق للمقاومة.
ها قد رحلت أيها المقاتلُ العنيد، وبقيت آثارك في بطن الأرض وعلى سطحها لم ترحل، نودعك وما أصعب وداع الرجال، ولكنَّ عزاءنا أنّ اللقاء قريبٌ بإذن الله.

كلمات مفتاحية:

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2018