(الصفدي).. عبقُ الياسمين وغضبةُ الثّوار
الشهيد القسامي محمد الصفدي

معتز عبد العاطي

بين الأروقةِ الجميلةِ في حيٍّ عتيقٍ مليءٍ بعبقِ الذّكرى، التي تفوحُ منْها صَبا الجمالِ والدّلال، تُداعبُ وريقاتِ التّفاحِ التي تُمتعُ النّاظرين، في رحابِ أرضٍ مُحبّة للخيرِ والسّلامِ، أحالتْها همجيةُ الاحتلالِ إلَى قاحلةٍ من عذابٍ مريرٍ تجرّعه أبناؤها، ومن نافذةٍ تطلُّ على وجهٍ ملائكيٍ محمولٌ جسدُه على أكتافِ الثّائرين، ترمِي بصرَها صوبَ الجموعِ الهادرةِ التي خرجتْ تودّع جنديًا من جنودِ اللهِ، بعبراتٍ ساخنةٍ ترثي أخاهَا الحنونَ (محمد)، تُلقِي عليه السّلامَ، بعدمَا طبعتْ على جبينـِه قُبلةَ العهدِ الذي قطعه على نفسِه بأنّ رائحة الجنّة تُذكِي روحَه، وقد اقتربَ الوُصول.

"يطوفُ البيتَ مرحًا، حاملًا ألعابَه الطفوليّة، يداعبُ أمه وأباه الذي ارتحـلَ قبل ثلاثة عشر عامًا، ليترك (محمد) وأحد عشر فردًا يتأوهّون يُتمًا وغيابًا وفراقًا، وكيفَ لا يتأّلمونَ وهو نبعُ الثقةِ والأملِ" (ميساء) تبدأ باكورة حديثها لـ موقع (الانتفاضة).

صديقُ المآذنِ

صديقُ المآذنِ منذُ طفولته حين تصدحُ فتنادِي حيّ على الفلاحِ، رفيقُ الفجرِ حينَ يخطو الخُطى في الظلّمات مبشّرًا بصبحٍ يحملُ إشراقة الجمالِ ونسيمُ الجوري الغزّي الأبيضِ، الذي يتنقّل بين البحرِ وترابِ حي التُفّاحِ، فيزدادُ الحنينُ إلى الحنينِ.

مثابرٌ في الحياةِ الصّعبة، فيذلل الصّعابَ ولا يعرفُ للمستحيلِ طريقًا، فتعلّم الكثير على يدي أخيه (محمود)، فكان له سندًا في مواقفَ عديدةٍ يعلّمه السّباحةَ والرّماية والعلوم القرآنيّة، إلى أنْ دقّ الحزنُ معاقل قلبِه يتمٌ ورحيل محمودٍ الشهيد القسّامي المجاهد، رحلَ الأبُ وتبعه السّندُ فيا لقسوةِ الأيّامِ وعظيم الابتلاءات.

"جلسنَا نتسامرُ معًا، يمازُحنُنا، يتلو علينا آياتٍ من القرآن، فلقد كان صاحب صوتٍ جميلٍ، تحدّثنا عن الموتِ والشهادة في سبيلِ الله تعالى، تمنّى الشّهادة، ووعدنا بأن يكون أول الرّاحلين، وكان ذلك في الجمعةِ التي سبقت ارتقاءه إلى الجنانِ بإذن الله" تتابعُ المهندسةُ (ميساء).

آثر الجهادَ مبكرًا

آثرَ الجهادَ مُبّكرًا، فانطلقَ إلى ساحِ التّدريبِ، يُعد نفسَه للثأرِ، للانتقامِ من المجرمين، الذين استباحُوا المدينةِ بصواريخِهم ومجازرهم، وانتهكوا سماءها بضجيج طائراتهم التي لا تسكن، ومن الذينَ عاثوا في شوارعها الخراب، وفي طرقاتها الدّمار، وفي مساجدها القصف والعدوان، فكان يتنقلُ مجاهدًا مُجهّزًا لمعركةٍ قادمةٍ مع العدوِ بكل قوةٍ، يشاركُ مع إخوانِه في الإعداد والتجهيزِ.

يتلُو بيانَ الجهادِ في ميدانِ الشّرفِ والبطولةِ، برصاصاتٍ تنطلقُ من فوّهة البندقيّة السّمراءِ، نحو الهدفِ، يرابطُ في الصّفوق المتقدّمةِ، لا يخشى في اللهِ لومة لائمٍ، داعيًا اللهَ أن يختمَ عمله بشهادةٍ صادقةٍ في سبيله، يعز بها الإسلامَ والمسلمين.

(كان من السبّاقين إلى مسجد حمزة بـ(حي الدرج) بغزّة، يسابقُ إلى الصّفوفِ الأولى، ويتعلّم الأحكام وتلاوة القرآنِ، والعلوم الدينية الأخرى، فقد كان المسجدُ قطعةً من جسده، وبيته الأول رفقة ساحات الوغـى والجهاد في سبيل الله) ميسـاء.

شهادةٌ وجنات 

فجرُ السّبتِ، التاسع من كانون الأوّل لعام 2017، كانت غربانُ السّماء الحاقدةِ الإسرائيلية، تُحلّق في سماء غزة، منذرة أطفالها ونساءها وشيوخها بالقتلِ والدّمارِ بعدِ انتفاضة شعبيةٍ دفاعًا عن مدينة القدسِ، تعلُو أصواتُها ويعلو الغدرُ والجبنُ أمام شموخِ وعزّة وكبرياءِ غزّة.

كان (محمد- 26 عامًا)، يتنقلُ بسلاحِه الطّاهرِ، وعيونُه يقظة، وأثناء رباطه أطلقت الطائرات الصهيونية الحربية، عدّة صواريخ على أحد مواقع المقاومة في غزّة، فارتقى مع رفيقِ دربه الشهيد القسامي محمود العطلِ، بعد مسيرةٍ جهاديةٍ حافلة بالإعداد والتدريب، ومقارعة الأعداء.

رحلَ الشّابُ الخلوقُ المرحُ، رحلَ الحسّون الشّجي، الذي كانَ يغرّدُ حُبًا وحنانًا، رحل الياسمينُ، رحلَ البسّامُ الذي ينثرُ الفرحَ في قُلوبِ كل من عرفَه، وسيبقى (محمد) ذكرى جميلة في قلبِ أمّه وإخوتِـه في كل مكانٍ تحدّث فيه وابتسم، ومسح على رأسهم يستحث الهمم، ويغازلهم بشذى الزنبقِ المبعوث من حُنجرتِه، وستذكرُه المحاريبُ والقبابُ وستفتقده زقاقُ المدينةِ العتيقةِ، وستحنّ له أرضُ التّفاحِ الذي خضبها بدمه الطّاهرِ.

 

 

 

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2018