الرزنامة المقدسية

د. ديمة طارق طهبوب

إن جزءا من تشكيل مفهوم النصر هو الانقلاب على تواريخ الهزيمة، هو إيجاد حالة ذهنية تحول إرث الخسارة إلى مكسب و تستفز الهمة من بعد الرقود و تحمل الأجيال أمانة الإصلاح حيث أخطأ أو قصر الأولون.

في كل عام ترجع إلينا ذكرى ما يسمى بوعد بلفور الذي حاول أن يلبس لبوس الإنسانية و ينطق بلسانها فينظر بعين العطف إلى ما وصفه بعذابات شعب عانى التقتيل و التشريد و آن له أن يستقر و ينشىء دولته في فلسطين و كأن فلسطين هذه كانت خربة و أرض عزلاء منسية تنتظر من يستوطنها و يعمرها، بينما الحقيقة أن ذلك الوعد المدنس لم يكن أكثر من صفقة اشترت بها بريطانيا مادة لصنع القنابل من الصهيوني حاييم وايزمان و أعطته مقابلها عطاء من لا يملك لمن لا يستحق و كانت السبب في أكبر مأساة في تاريخ الإنسانية حيث محت وطنا عن الخارطة و ما زالت بذات الغطرسة ترفض حتى مجرد اعتذار أدبي و رمزي عن سلوكها الاستعماري بالرغم أنها قدمته للكثيرين بما فيهم قبائل افريقية صغيرة!!

تعود الذكرى السنوية و حال السياسة الرسمية في تردٍ بلغ أشده بالانقضاض على المقاومة لأجل مسار التفاوض الذي ما انفك يثبت فشله جولة بعد جولة و حسن الحظ في هذا ان العدو الصهيوني ينقض و يخلف و يستمر بسياساته الأحادية و المتطرفة دون مراعاة لعهود و اتفاقيات!

تعود الذكرى و قد فهمت بعض الشعوب حال ساستها فغسلوا أيديهم منهم و التفتوا إلى ما بين أيديهم من عناصر قوة و نجاح يستثمرون فيها.

تعود الذكرى و سياسة العدو تحاول إطباق فكي الكماشة على القدس تحديدا فهي و إن أقامت كيانها في الساحل لا تلتفت و لا تنسى أن المركز و إن طال الزمن ليس إلا في القدس إذ لا معنى عندهم لإسرائيل بدون القدس و لا معنى للقدس بدون الهيكل! و مخططاتهم واضحة و معلنة تهدف إلى تهويد المدينة بتغيير معالمها و هويتها و إحاطتها بالمغتصبات و تشجيع الصهاينة على سكناها و طرد أهلها و التضييق عليهم و الثأر منهم و تغيير هويتهم بتغيير التعليم و المناهج و حصار المسجد الأقصى و أهله بتجريم المرابطين و ملاحقتهم و فرض السيطرة الأمنية عليه بالكاميرات و البوابات!

تعود الذكرى و قد فهم أهل الأردن قبل غيرهم دور الأردن تحديدا في قلب الطاولة و تغيير المعادلة بالاستثمار في الإنسان المقدسي ليكون رأس الحربة في مشروع المقاومة الشعبي، تعود الذكرى و أهل الأردن قد فهموا أن إرادة الشعوب غالبة مهما كان التفوق العسكري و لذا بدؤوا مشروعهم منذ سبع سنوات في تثبيت الإنسان المقدسي كعنوان للصمود و الحفاظ على المقدسات.

مشروع جبار حمل لافتة أمل و دعم تزهو بحديث المصطفى صلى الله عليه و سلم "فابعثوا بزيت يسرج في قناديله" فكانت الحملة السنوية فلنشعل قناديل صمودها، حملة حولت كل الآمال و التمنيات و الغضب و الإدانة إلى حالة فعل و قوة قطفنا ثمارها بأعيننا مقدسيون منزرعون في أرضهم و بيوتهم يفدون مسجدنا الأقصى بالغالي و النفيس. 

فلنشعل قناديل صمودها بلغت السنة السابعة من عمرها بستة مراحل من الإعمار رممت خلالها ٢١٨ وحدة سكنية استفاد منها ١١١٠ شخص و أعمرت منشأتين تعليميتين يدرس فيها أكثر من ١٥٠ طالب.

ثمار قطفناها في الانتفاضة الأخيرة يوم قيض الله للمسجد عبادا له أولي بأس شديد يحمونه و يذودون عنه.

يومها كان أهل الأردن موجودين لا بالروح فقط و إنما بأجر الرباط في كل رقعة و بيت عمروه و كل مرابط ثبتوه، يومها كان صوتنا عاليا في كل تكبيرة و قدمنا راسخة في كل خطوة حبسنا العذر فأطلقنا عقال رقابنا بالنصرة بالمال.

هذا اليوم قد حان موعده هذا العام لنجدد وثيقة رباطنا و صك ملكيتنا و ولادتنا المقدسية المحفوفة بالبركة.

كان عطف العالم يوم بلفور و ما زال مع الصهاينة فأين عطفنا و إلى من ترحل عيوننا؟

اليوم أزف و القدس تتجهز و الأقصى ينتظر سراجه فهل عقدتم العزم على نصرته؟

لقد ولت أيام الهزيمة و التباكي و بدأنا بكتابة رزنامة مقدسية و تاريخ جديد و ولادة متجددة عنوانها باقون  باقون ما بقي الزعتر و الزيتون.

كلمات مفتاحية:

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2016