"انتفاضة القدس تدخل عامها الثالث"

د. عدنان أبو عامر

تجمع المحافل الإسرائيلية، الأمنية والعسكرية على حد سواء، أن استمرار الجمود في العملية السلمية, وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وتنفيذ عملية فلسطينية هنا وهجوم مسلح هناك بين حين وآخر،قد يدفع الفلسطينيين في الضفة الغربية نحو التصعيد العنيف ضد إسرائيل، في ظل طرح عدد من السيناريوهات التي تدور حول احتمال دخول انتفاضة القدس عامها الثالث.
الملاحظ أنه لا يوجد رغبة لدى السلطة الفلسطينية بهذه الانتفاضة، على الأقل في هذه المرحلة، لكن انسداد أفق التسوية، إلى جانب عمليات إسرائيلية في المستوى العسكري أو الأمني، قد يؤدي لتغيير هذه الوجهة، لاسيما إن مضى الفلسطينيون قدماً فيما تسميه تل أبيب "تدويل الصراع"، من خلال العمل على زيادة تدخل المجتمع الدولي إزاء ما يحدث في الضفة والقطاع.
ولهذا ترى إسرائيل أن استمرار الهجمات المسلحة ضمن ما يسميها الفلسطينيون انتفاضة القدس قد يفاجئها بين الحين والآخر، ليصيب قيادتها السياسية والعسكرية على حدٍّ سواء بالارتباك، لأنها لم تستطع تحديد طبيعته بدقة: هل هي حرب؟ وإذا كانت كذلك، كيف يمكن التعامل معها، وبأية وسائل؟ وإذا كانت تمرداً، كيف يمكن وضع حدٍّ له؟ أم هي نزاع طويل، وإلى متى سيستمر؟
لكن الاتفاق السائد داخل أوساط الحكومة والجيش في تل أبيب يرى بأن انتفاضة القدس ستكون إذا ما تواصلت حرب جديدة بقواعد مختلفة، دون اعتبارها نزاعاً طويلاً، رغم أن عدداً من صناع القرار الإسرائيلي يهددون منذ الآن بالنظر إليها على أنها فعل معادي، وبالإمكان القضاء عليه دفعة واحدة بحلٍّ عسكري، لأنها بنظرهم حرب في كل شيء، وقد تكون أسوأ وأصعب من جميع الحروب التي مرت بها إسرائيل، لأنها متواصلة وطويلة، و"قريبة من بيتنا".
الغريب في الأمر أن التقديرات الإسرائيلية بدخول انتفاضة القدس عامها الثالث تأتي في ظل قيادة أمنية عسكرية سياسية "غارقة في غطرستها"، وأعماها جمودها الفكري، وعنصريتها، عن فهم تلك الانتفاضة إذا ما حانت لحظة انفجارها، ولم تستطع حتى اللحظة رؤية الظواهر الجديدة في الحركة الشعبية الفلسطينية كما هي، ولم تقرأها بصورة موضوعية مجردة عن عنجهية المحتل، واكتفت بالتعامل معها باعتبارها تكراراً لأحداث تعودت عليها لسنوات طويلة، خلال الانتفاضتين الأولى والثانية.
مع العلم أن المراقب عن بعد ربما يصطدم لعدم رؤيته تقييماً إسرائيلياً وفلسطينياً مجمعاً عليه لأحداث الانتفاضة المتوقعة، في ظل بروز عدد من التنبؤات الاستخبارية المتعددة لها، بل لكل مظهر من مظاهرها، وحتى لو اتفق إسرائيلي وفلسطيني على تشخيص بعض جوانبها، فإنهما لا يخلصان إلى استنتاج واحد، وما يلبث أن يلاحظ أن نظرة الجانبين للانتفاضة محكومة لحدٍّ بعيد بمواقف سياسية وأيديولوجية مسبقة، أي أن كل طرف ينطلق من تقييمه لها من موقع سياسي معين، ويخلُصُ بالتالي للاستنتاجات التي تنسجم مع آرائه وتوجهاته.
وبالتالي، فإن استمرار انتفاضة القدس يشكل صدمة عنيفة لصناع القرار العسكري الإسرائيلي، وبات ضباط الأجهزة الأمنية "الموساد والشاباك وأمان"، منذ شهور يتداولون أسئلة باتت تطفو على السطح تؤكد حجم القلق ومدى الارتباك الذي يكتنف الرؤية الأمنية الإسرائيلية تجاه الانتفاضة الجارية، ومع أن هناك اتفاقاً على محاربتها، والاستمرار في العدوان على الشعب والأرض، إلا أنه لا أحد في إسرائيل يستطيع التنبؤ ببداية هذه المواجهة ونهايتها.
تعتقد إسرائيل أن سلوكها الأمني وأداءها العسكري وتقييمها السياسي لانتفاضة القدس مرتبط بما تسميه زخم هذه الانتفاضة، مستفيدة من ذلك في تعاملها مع الانتفاضتين السابقتين، 1987 و2000، حين تمثل ردّ فعلها المباشر بالتقليل من شأنهما، ومحاولة سحقهما عسكرياً، والزعم بأن أحداثهما لم تكن منظمة، في محاولة فاشلة منها لطمأنة الإسرائيليين، الأمر الذي لم يدم طويلاً، مما دفعها لممارسة أقصى درجات العنف ضدّ نشطائهما.
اليوم تجري المؤسسة العسكرية الإسرائيلية دراسات وأبحاث على مدار الساعة، لوضع ما تسميه "خطة عمل مفترضة" للتعامل مع انتفاضة القدس وهي تدخل عامها الثالث، وجميع الإجراءات المقدمة والتوصيات المرفوعة للمستوى السياسي نابعة من كونها أسيرة فكرة واحدة، وهي القضاء على الانتفاضة، وتحطيم أوهام الفلسطينيين الذين يعتقدون بإمكانية تحقيق شيء عن طريق المظاهرات والمقاومة، بعد انسداد أفق التسوية.
ولهذا فإن التقدير السائد في هذه الأيام أن رد الفعل الإسرائيلي المتوقع على انتفاضة القدس، إذا ما قدر لها الاستمرار سيكون "فاقداً للأعصاب"، ومعبراً عن النفسية العنصرية، وسيتجلى بانتهاج سياسة القتل، وإحكام القبضة الحديدية، والضرب، وكل أشكال التعسف، والمجاهرة بأن على الجيش إرعاب الفلسطينيين حتى يهدؤوا، وتسكن حركتهم، وإصدار الأوامر للجنود ليقوموا بقمعهم.
وتشير حالة التدريبات والمناورات التي تجريها قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي إلى أن ردّ الفعل على انتفاضة القدس سيكون في حالة تصاعد مستمر، ممثلا بالقتل والضرب واستعمال الرصاص، والاعتقالات العامة والاستثنائية والوقائية، وفتح سجون جديدة، وتعميم سياسة العقوبات الجماعية.
علماً بأن مواجهة الانتفاضة بمثل هذه الأساليب التقليدية المستخدمة خلال مواجهات سابقة، ستفقد الجيش الإسرائيلي خاصيته "كجيش عصري"، معدّ لحروب عصرية تستخدم أحدث التكنولوجيات العسكرية، وآخر ما تنتجه صناعات الأسلحة في العالم، والقدرة على الحسم في معارك خاطفة وحروب قصيرة، ليجد نفسه متورطاً فيما يطلق عليه "حرب شوارع" لا يعرف فيها من يقاتل، وكيف يقاتله، وبالتالي البقاء في حالة استنفار ويقظة على مدار الساعة، وانتظار عدو يهاجمه في وقت غير معروف، ومكان غير محدد، مما سيسبّب له إجهاداً وتعباً في كل الأماكن، وعلى جميع المستويات.
كل ذلك يشير بما لا يدع مجالاً للشك أن انتفاضة القدس، كما يسميها الفلسطينيون، ستعدّ حالة معقدة للغاية بالنسبة للجيش الإسرائيلي، وتلقي بآثارها وتبعاتها على بنيته ومعنوياته، وإفشال مخططاته التوسعية والأمنية والسياسية والاقتصادية، وعدم تمكينه من تحقيق أي منها.

كلمات مفتاحية:

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2016