الشهيد سبأ عبيد .. الأسر لم يثنه عن مواصلة طريقه

فلسطين - الانتفاضة

قبل سنتين، طوّق جيش الاحتلال وقواته الخاصة منزل الشهيد سبأ نضال شحادة عبيد، في البلدة القديمة بسلفيت شمال الضفة الغربية المحتلة، ليعتقلوه وينقلوه إلى سجن مجدو، ويسجن سنتين تقريبًا على خلفية نشاطه ضد قوات الاحتلال الصهيوني.

 

وبعد سنتين، وخلال صلاة الجمعة، أطلق جنود الاحتلال الرصاص الحي على الشاب سبأ، خلال مواجهات في قرية النبي صالح شمال رام الله، ليصيبوه في منطقة القلب، ومن ثم نُقل إلى مستشفى الشهيد ياسر عرفات بمدينة سلفيت، ليحاول الأطباء إنعاش قلبه لكن دون جدوى؛ حيث إن الإصابة قاتلة، كما قال الأطباء.

 

وكانت وزارة الصحة الفلسطينية قد أصدرت ثلاثة بيانات حول صحة الشهيد أعلنت في الأول استشهاده، إلا أنها تراجعت وأعلنت أنه القلب أُنعش، ومن ثم في البيان الثالث، أعلنت أنه استشهد نتيجة عدم القدرة على إنقاذه في ظل الإصابة الخطيرة جدًّا في منطقة القلب.

 

مقاومة بعد الأسر

 

لم يهدأ الشهيد سبأ بعد الإفراج عنه؛ فكان سباقًا في مقارعة قوات الاحتلال، والمشاركة في المواجهات على معسكر النقطة الشمالية لمدينة سلفيت ضد جيش الاحتلال، وكان يدعو الفتية والشبان لمواجهة الجنود وعدم الخوف منهم.

 

وقبل 24 ساعة من إصابته واستشهاده قال لأحد أصدقائه إنه يدعو الله أن ينال الشهادة كي يتحرك الشارع أكثر على المستوى الرسمي والشعبي نصرةً لإضراب الأسرى الأبطال في سجون الاحتلال الصهيوني؛ حيث إنه كان غير راض عن حراك الشارع نصرة لإضراب الأسرى المتواصل عن الطعام حتى ساعة استشهاده.

يوم الشهادة

وفي يوم الجمعة، 12.5.17، عند الساعة 14:15، أثناء المظاهرة الأسبوعيّة التي تنظّم في قرية النبي صالح، قام قنّاص بإطلاق عيار ناريّ من نوع "توتو" (قطر 0.22 إنش) على الشهيد سبأ، حيث أصابه في خاصرته وأدّى إلى استشهاده.

حيث أنه قرب الساعة الواحدة، خرج نحو مائة متظاهر - فلسطينيّون من سكان قرية النبي صالح والقرى المجاورة - باتّجاه البوابة العسكريّة عند مدخل القرية الشرقيّ.
 اعترضت المسيرة السلميّة مجموعة من الجنود وأفراد شرطة حرس الحدود تحت قيادة ضابط حرس الحدود، وأعاقت تقدّمها نحو غايتها، وألقت القنابل الصوتية نحو المشاركين، بقي معظم المتظاهرين في الشارع وواصلوا الهتاف ورفع الأعلام قبالة رجال قوّات الأمن الّذين اعترضوا طريقهم.

مجموعة صغيرة من الشبّان تراجعت نحو تلة في مشارف المنطقة العمرانيّة من القرية، على بعد 150 مترًا من بقيّة المتظاهرين، وتطوّرت هناك مناوشات طفيفة بينها وبين الجنود وشرطة حرس الحدود الذين تقدموا باتجاهها. كان الشبّان يرشقون الحجارة فيما أطلقت قوّات الأمن عليهم الغاز المسيل للدموع والعيارات المعدنية المغلفة بالمطاط والعيارات الإسفنجية.

 جرّاء إطلاق هذه المقذوفات أصيب اثنان من الشبان الّذين رشقوا الحجارة: أحدهما بعيار إسفنجيّ في رأسه والثاني بعيار معدني مغلف بالمطاط في فخذه.

 

سمع العديد من المتظاهرين قائد القوّة، وكان يقف قرب المركز الرئيسي للتظاهرة، يصدر أمرًا لقنّاصين اثنين مسلّحَين ببنادق "روجر" أن يتقدّموا باتجاه راشقي الحجارة ويطلقوا النيران، هذا، رغم أنّ الحديث يدور عن نحو عشرة شبّان أو خمسة عشر شابًا لا أكثر، كانوا يرشقون الحجارة - بالأيدي أو بواسطة مقلاع، من مكان يبعد مائة متر على الأقلّ عن رجال قوات الأمن.

تمركز ثلاثة جنود، بينهم قنّاص، خلف جدران منزل في طور البناء، يقع على المنحدر الشرقيّ للتلة. وكان القناص يطلق نحو راشقي الحجارة الرصاص الحي بين الفينة والأخرى (من نوع "توتو" بقطر 0.22 إنش)؛ وكان هؤلاء يختبئون وراء أنقاض منزل مهدّم يبعد مسافة مائة متر تقريبًا من المكان.

 لم يصب أحد جرّاء إطلاق الرصاص بين المنزل الذي اختبأ خلفه الجنود والمنزل المهدّم تفصل "سنسلة" من فوقها أسلاك شائكة.
 زهاء الساعة 14:15 تقدّم سبأ عبيد باتجاه "السنسلة" ورشق عددًا من الحجارة نحو الجنود، الذين كانوا على بعد حوالي ثمانين مترًا منه، فيما كان هو يحتمي خلف "السنسلة". رشق سبأ حجرًا أخيرًا، والتفّ ليهمّ بالهرب؛ عندها أطلق عليه القناص رصاصة من نوع "توتو" أصابته في خاصرته.

صديقه يصف ما حدث

    نهض سبأ من مكانه وبدأ يزحف على يديه وركبتيه، وذلك كي يحمي نفسه فلا يكون في مرمى القناصة الذين كانوا قبالتنا، وصل إلى السياج الذي يلفّ الحقل المحيط بالبيت الذي تمركز خلفه الجنود، وفي هذه الأثناء لم يطلق الجنود الرصاص، رشق سبأ حجرين أو ثلاثة نحو الجنود المحصّنين، وكان يفعل وهو منحنٍ لئلاّ يكون في مرمى القنّاص، حذّر الشبّان سبأ وهم يصرخون عليه: "يا بو الأبيض، ارجع... يا بو الأبيض، ارجع".

 

    في المرّة الثالثة، بعد أن ألقى سبأ حجرًا وهو منحنٍ، همّ بالهروب عائدًا نحونا، فأطلقَت عليه رصاصة أصابته بعد أن أخذ يبتعد، لم أسمع صوت إطلاق النار، لكنني أدركت أنه أصيب لأنه وضع يده على خاصرته. ركض في اتجاهنا مسافة نحو عشرين - ثلاثين مترًا، إلى أن وصل إلى منطقتنا، وعندها وقع على الأرض، تقدّمت إليه برفقة شابّ آخر من سلفيت، بعد أن رفعتُ بلوزته رأيت ثقبًا صغيرًا، بقُطر سيجارة، شبه مغلق، وينزف قليلاً، كانت هناك بقعة على بلوزته من الجهة اليسرى. شعرتُ أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. قمنا بحمله، أربعة أو خمسة أشخاص. كنّا وفي الطريق أخذنا نكلّمه، ونقول له: "احكي يا سبأ". قلت له: "إذا كنت تسمعني اضغط على يدي"، فضغط.

 

    ولكن بعد مائة متر - عندما وصلنا به إلى الشارع، حيث كانت تقف هناك سيارة الإسعاف، سلّمناه لطاقم الإسعاف ووضعوه الحمّالة – قلت لسبأ مرّة ثانية "شدّ على يدي"، ولكنه لم يشدّ كما فعل من قبل.

 

ونُقل عن الشهيد أنه كان سباقًا في مواجهة قوات الاحتلال خلال اقتحامها مدينة سلفيت، وكان يلقي الحجارة ويغلق الطرق أمام مركبات الجنود الصهاينة، وتعرض لتهديد مخابرات الاحتلال، أكثر من مرة، وكان يسهر حتى ساعة متأخرة من الليل لمواجهة جنود الاحتلال في حال اقتحامهم سلفيت.

 

ويقول أحد أصدقاء الشهيد، إن سبأ كان الأكثر حرصًا على مقارعة جنود الاحتلال، وإنه كان مقدامًا، ويحب وطنه كثيرًا، وكان خلال الأيام الماضية يكثر من الحديث عن الشهادة في سبيل الله، ليفوز بها، وحزنّا على فراقه إلا أننا فرحون بفوزه بالشهادة.

 

 وفور إعلان خبر استشهاد سبأ؛ أُعلن عن الإضراب والحداد ثلاثة أيام في مدينة سلفيت؛ حيث هرع المواطنون إلى مستشفى الشهيد ياسر عرفات لوداعه والنظر إليه النظرة الأخيرة.

كلمات مفتاحية:
سبأ عبيد الشهيد الانتفاضة

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2016