للرجولة معنى

هشام توفيق

في غياهب السجون يخرج أصحاب القضية من الأسرى أو المعتقلين إما بعقلية منبطحة أو أيديولوجية منحطة أو بشخصية منفصمة أو بتنازلات عن مبادئ رفع شعاراتها الأسير السجين أثناء أسره تحت التعذيب والتهديد والجوع والظلام والانفراد، أما الرجال في سجون الاحتلال الصهيوني فيخرجون كالطود الشامخ والجبل الأرعن الذي لا تحركه الأيادي والأعاصير، جبل لا يعرف القهقرى عن مبادئه ولا يخاف في الله لومة لائم.

من السجون الصهيونية شهد العصر بروز نماذج من الرجال كانوا الحجر الزاوية، لا تتزعزع أنفاسهم رغم أشكال العنف والتعذيب فما استكانوا لكيان فزعا، وما ساوموا متجبرا تألفا، وما سمعوا كلمة حاكم جبان خنوعا وتملقا، وما انحسروا لطاغية ضعفا وخوفا، بل كانت لهؤلاء الرجال أحوال وصفحات ميزتهم عبر الزمن عن أصناف العلماء والشيوخ والقادة والمسؤولين، وبصمت مواقفهم الراسخة على أشجار الزيتون وبين أعمدة الأقصى.

أمثال هؤلاء يطبعهم الزمن بمداد لا ينفد، وقلم لم يشبع من ذكرهم، أمثال صلاح شحادة وأحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وأحمد الجعبري وغيرهم، لكن السلسلة لم تنته انقضاء باستشهاد هؤلاء وانتقالهم إلى جوار ربهم، فقد جادت الأمة عموما وفلسطين خصوصا برواد جدد وصالحين ومصلحين أخر كان في زهرتهم وزمرتهم الشيخ المجاهد رائد صلاح.

لقد حول هؤلاء الرجال السجون بتوفيق الله والشيخ رائد منهم إلى مدارس خاصة للتربية والترقية إلى مدارج السالكين ومعراج المجاهدين المصلحين. 

وقد جادت الأرض المقدسة خصوصا برجال أشداء أقوياء والشيخ رائد منهم كشفوا للعدو الصهيوني انبهارا دروس العزة والنصر والتمكين التي لن تنقطع بركاتها في الأرض المباركة، ولن تعدم هذه الأرض من الرجال والرجولة ليس بالمعنى الذكوري بل بالمفهوم القرآني.... هذا وعد الله والحمد لله. 

تربية رائد تربية جامعة
كل هؤلاء الرجال والشيخ رائد منهم حولوا سجون الكيان الصهيوني إلى زوايا للعلم والمعرفة وتجديد العهد مع الله ذكرا وصياما وتبتلا وتقربا، وللرجولة ثمن وللرجولة جزاء ووفاء، قال الله عز وجل في كتابه العزيز: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" (الأحزاب: 23).

وعن الرجولة يحدثنا رجل من أهل الصلاح كان يحبه الشيخ رائد صلاح لقاء وزيارة، وهو الإمام المجاهد العالم عبد السلام ياسين رحمه الله يقول عن الإيمان الحقيقي والرجولة الحقيقية التي تتميز عن الإسلام اللفظي: "الإيمان أمانة، والأمانة الإيمانية كنز ومعين في قلوب الأمناء، والعلماء هم أمناء الرسل كما جاء في الحديث، والقرآن أمانة تكليف عظيمة، ونور وهداية وبيان. 

نرى القلوب الخَرِبَةَ تقرأ القرآن باللسان العربي المبين لكن القلوب عجماء صماء لا أثر فيها لأمانة الإيمان، فهي أعجز عن تحمل أمانة القرآن. أوتي الأحباب الصحابة الإيمان قبل القرآن فكانوا رجالا. ولا يَنقَطع نسل تلك الرجولة إلى يوم القيامة، ولنتذكر شوق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى رؤية إخوانه من بعده". (1)

ويذكرنا العالم المجاهد الجليل يوسف القرضاوي بقوله عن أحمد ياسين رحمه الله: "أحمد ياسين علمنا أن الرجولة لا تقاس بقوة الأجسام بل بإيمانها وفضائلها".

فلسطين الحبيبة ولادة ولازالت تنجب الرجال وأهل الإيمان والعلم والجهاد، رجال أحبوا بيت المقدس والمسجد الأقصى لا باعتباره حجرا وترابا وبنيان، بل أحبوه وأحببناه لأنه بيت الله وقبلة المسلمين الأولى وفخر الزمان والمكان، لأنه بيت يتلى فيه كتاب الله ويخرج منه رجال القرآن والعلم والجهاد على سواء.

علمنا الرجال أمثال الشيخ رائد صلاح أن للرجولة طعم وذوق ولذة تقترن بالإيمان ومن علامة الإيمان الإحساس بالمسؤولية والأمانة التي ورثناها من النبي صلى الله عليه وسلم والعلماء والأمناء ورجال الله والمجددين للقيم والأسس الإيمانية.
علمنا الشيخ رائد صلاح داخل السجن وخارج السجن أن الإيمان ليس وضع كوة في جبل والتعبد فيها زهدا وانزواء ودروشة، بل علم الأمة على أن الرجولة أمانة ومواجهة للداء والاستكبار دون تنازل ما دام في القلب حب للقرآن وحب بيت القرآن ومحبة لأهل القرآن ومحبة لله الحافظ للذكر والقرآن. 

رائد دخل بصدق وخرج بصدق

من هذه السجون بزغ رجل لا زالت شجون وأغصان الزيتون تنشرح لابتسامته العذبة، ولا زالت أعمدة المسجد الأقصى تحن إليه لأنه عمود صامد لا يمكن لتراث الأقصى أن يتخلى عنه. .ألا وهو السيد رائد صلاح. 

دخل رائد إلى معمعان الجهاد ضد مواجهة العدو الغاشم الصهيومي وقلبه يردد: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162، 163]

وخرج رائد صلاح من السجن الصهيوني وقلبه مفعم ومشبع باليقين في نصر الله صدقا وتصديقا بموعد الله والوعد الآخر ونصر الله ما دام في الأمة حياة ومن يجدد لها أنفاسها التي أراد الاستكبار العالمي والتكالب الدولي أن تنحط وتنحسر انحسارا في غثائية استهلاكية موات تغفل، تفتر، تجوع، تتناحر، تنقسم، تموت. 

دخل الرجل رائد إلى ميدان المدافعة منذ شبيبته ولسان حاله يقول "اللهم أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا".
فدخل وخرج، ودخل بحمد الله السجن رغم شدته، وخرج من السجن أكثر قوة وشدة.

دخل إلى عالم الذود عن الأقصى وفلسطين ليس فقط لتراب أحبه ونشأ فيه؛ بل فهما ووعيا قاصدا، لأن هذه الأرض أرض قدسها الله وطهرها ووضع فيها بيتا من بيوت الله الذي جمع الأنبياء والرسل في جماعة واحدة، في صلاة جامعة بإمامة واحدة وقائد واحد مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في معجزة فريدة هي الإسراء والمعراج. ..

رحلة كان لها الفضل في وضع الخطة الاستراتيجية النبوية من أجل قيادة الأمة وفتح مشارقها ومغاربها، بدأت من باب البراق وساحات البراق وساحات الأقصى المباركة ثم فقهها الخلفاء والراشدون، واتبع منهاجها المحررون والقادة لتحرير الأمة والأقصى من كل علو وفساد قد تبدأ روحه وأصوله من بيت المقدس وتتمدد أحجامه إلى باقي الأقطار المريضة والمستكبرة، وكان الكيان مرتع الفساد ومصنع الفتن والديكتاتوريات والخطط العالمية للسيطرة على العالم والأمة.

ومن هؤلاء الرجال والقادة السيد رائد صلاح الذي فقه داء الصهيونية وخططها لتحقيق نبوءة الهيكل المزيفة التوراتية بداية من باب المغاربة وتلة المغاربة وحائط المغاربة.

صلاح أحب المغاربة وباب المغاربة

دخل الرجل رائد مدخل صدق إلى باب الجهاد بكل معانيه وخصاله العلمية والتربوية والروحية والثقافية والحركية والخطابية، ليقول للعالمين إن المسجد الأقصى خط أحمر وإن أوله ومدخله باب المغاربة من أعز الأبواب، وهو كذلك خط أحمر، وليقول للمغاربة أنا هنا ومع الدفاع عما وصاكم به صلاح الدين الأيوبي وأهداه لكم : باب المغاربة وحائط المغاربة (حائط البراق)، ساحة البراق (ساحة للمغاربة أو حارة المغاربة).

من باب المغاربة نافح رائد عن الأمة، ومن باب المغاربة أسروه، ولأجل باب المغاربة وتلة المغاربة وما بقي من آثار المغاربة ولأجل فلسطين والأقصى والأمة ذاد الرجل دفاعا وذودا عن الأمة وبيت المقدس وصية نبوية قرآنية ..

وفرق كبير بين الذادة والديدان، ذادة وقادة الأمة وورثة النبوة، وديدان القراء شيوخ السلطان أرباب الموائد والفتات، لإرضاء كيان الشتات، بأن الأرض المباركة مقسومة بين المسلمين واليهود بالتمام.

للإشارة تفرق الفتات بين موائد مؤتمرات كروزني وموائد عواصم عربية لا داع لذكرها خوفا من تلطيخ مقالنا بمرق فتاتها. 

العبودية مع الصلاح والجهاد

السجون الاحتلالية تكون في بدايتها احتلالا وموضعا عازلا وجدرانا قامعا، لكن حين يعمرها الرجال تتحول إلى مدارس يوسفية صديقية يدخلها الرجل المجاهد صادقا ويخرج منها أكثر صدقا.

مكنت هذه الابتلاءات التي نالها العظماء المجاهدون المؤمنون في سجون الاحتلال ومن سبقهم بالإيمان من دخول هؤلاء الرجال الفلسطينيين والمقدسيين إلى عبادة الله من بابها الجامع بين صلاح القلب والجهاد، هي العبادة الجامعة بين حق النفس وحق العباد، هي العبادة التي وصى بها النبي صلى الله عليه وسلم وهي المجسدة للاتباع الشمولي والإمامة العادلة للنبي صلى الله عليه وسلم.
هذا الاتباع هو الذي وصى به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو العلم الوراثي بحروفه ومبانيه وحركاته وسكناته وشدوده، لا كمن أخذ الحروف ونسي المعاني واشتغل بذكاة الحلزون وفتاوي دم الحيض والنفاس، عوض الدفاع عن دم المسلمين في حلب وبورما واليمن والأقصى وشتى أراضي الأمة. 

الرجل رائد وغيره من علماء الأمة قام بالترجمة الحية المباشرة للكلمات الخطابية إلى كلمات حية تمشي على الأرض نصرة وعدلا وجهادا وتدافعا ومواجهة ضد كل أرباب الاستكبار والظلم والجور. 

الرجل صلاح كباقي رجال القسام والبنا وسعيد النورسي وأحمد ياسين ارتشفوا الوراثة العلمية الجهادية التي وصى بها النبي صلى الله عليه وسلم وأراد المجددون أن نفهمها بعمق جهادا و تطبيقا وعملا لا بكاء واستسلاما في كوات وزاويا لا تنفع، وقنوات تخطب خطبة لا تخرج من زاوية فتاوي البلاط للسلطان لا القرآن.

وقد جاء مدح الدعاة والعلماء الصالحين المصلحين في حديث نبوي صحيح، حيث جاء وصفهم فيه بأنّهم ورثة الأنبياء، وهذا الحديث جاء من جملة ما يلي: «قال صلى الله عليه وسلم: إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». [رواه أبو داود وغيره، وصححه الألباني]، معنى أن كون العلماء هم ورثة الأنبياء: أي أنهم هم الذين يرثون العلم الشرعي عن الأنبياء فيحملونه ويبلغونه إلى الناس، فيتعلم الناس منهم أمور دينهم، كما كان الناس سابقًا يتعلمونها من الأنبياء. 

لا يبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسل الله سوى من فقه ووعى العلم الجامع عن رسول الله إيمانا وجهادا، لا يفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينوب عنه سوى من تربى على يد من أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الدعاة والعلماء هم ملح الأمة وخير الأمة وحياة الأمة وقوة الأمة وبقاء الأمة حفاظا على الأمة وفطرتها ومنهاجها ضد مما سولت لنفوس الظالمين والمستكبرين من إفساد الفطرة وتغييب الفكرة وتدمير الحياة وإطفاء النور ليعم الفساد والظلم. لكن هيهات أن يفلح الظالمون.

 

كلمات مفتاحية:

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2016