الطالب عبد الرحمن حمدان .. عن تجربته في معتقلات الاحتلال !
الأسير عبد الرحمن حمدان

رام الله-انتفاضة

يسهل على أي شخص ترجمة تجربة الاعتقال و صياغتها في كلمات منمقة، مزخرفة دون أن يمر بها. و لكن من الصعب حقاً أن يفصح أسيرٌ عن تجربته التي ربما استطاعت أن تترك في وجدانه أثراً لن تستطيع كل قوى الأرض محوه حتى وإن اجتمعت.

تجربة الاعتقال أكاد أجزم أنها أقسى تجربة يمكن أن يمر بها الإنسان طيلة حياته، فيها ما يكفي من المرارة والذل والحرمان والإهانة، لا أنكر أن المعتقل مدرسة تعلمك درساً لا ينسى في الحياة، لكنك أنت وحدك من تقرر أن تجعل هذا الدرس و هذه الساعات التي تمر عليك بين أربعة حيطان مفيدة و غنية أو فرصة تلعن فيها حظك ستون دقيقة في الثانية.

عبد الرحمن حمدان، طالب سنة خامسة في جامعة بيرزيت هندسة كهرباء، و بتعريفٍ و طنيٍّ أكثر، أنا أسير محرر تم اعتقالي من قبل قوات الاحتلال أكثر من مرة على خلفية نشاطي في الكتلة الإسلامية وعملي النقابي. اعتقالي الأول كان في 12-5-2015 واستمر لمدة سنة كاملة، ثم –ولله الحمد على أي حال- تكرر اعتقالي بعد الافراج عني بسبعة أشهر وكان لمدة 6 أشهر وبهذا أكون قد اعتقلت 18 شهراً.

كما أسلفت، تجربة الأسر محفوفة بالصعاب من أول يوم إلى أن يعانق الأسير شمس الحرية، فالظلم يقع عليك في عقر دارك ووطنك من أنجس الخلق وأدنئهم، ولكن أكثر ما يساند الأسير في فترة حكمه هو الأمل بأن لا السجن دائم ولا المحتل باقٍ، إضافة إلى أن الأسرى بحد ذاتهم يخففون عن بعضهم البعض سواد الأسر و مره، بالنسبة لي وكما قال المثل: " اللي بشوف مصيبة غيره، بتهون عليه مصيبته".

حُكمِت لمدة سنة واحدة لكن في المقابل عايشت في أسري من زادت فترة محكوميته عن العشرين سنة لكنه كان يملك من العزيمة ما يجعلك تخجل من نفسك إذا انكسرت، كنت أسمع قصصهم و أشعر في عمق نفسي بضئالة ما قدمت مقارنة معهم و في نفس الوقت لم أشعر يوماً أنني غريب، الأسر يكوّن لك عائلة تغرقك فخراً كلما تعمقت فيها، تحتويك كفردٍ من أفرادها وتحاول قدر المستطاع أن تحمل عنك ما أنقض ظهرك، لكن أكثر ما ساندني هو ومن دون أدنى شك، الله سبحانه و تعالى، كنت أعلم أنني في فترة ابتلاء ولا أملك إلّا أن أصبر، فالله إذا أحب عبداً..ابتلاه.

ومع كل هذا، كان لا بد أن أمر بلحظات ألعن فيها المعتقل و السجان والاحتلال نفسه! تلك اللحظات التي تكسر ظهر الأسير و تتركه عاجزاً ما بيده حيلة، وربما أكثرها قسوة، وفاة عزيز عليك دون أن تستطيع توديعه و رؤيته قبل أن يوارى جسده الثرى...في فترة سجني توفى جدي و عمتي رحمهم الله تاركين في قلبي حسرة وداعهم. ولا يقتصر الأمر على الوفاة فقط، كنت أتمنى أن أكون حاضراً في أفراح أهلي و أصدقائي و أشاركهم ضحكاتهم و لكن قدر الله وما شاء فعل

والآن اسمحوا لي بأن أحدثكم عن أجمل لحظة يمر بها الأسير طوال تجربة السجن، تلك اللحظة التي ينتظرها منذ اليوم الأول، لحظة الاعلان عن انتهاء فترة حكمه، و تحديد موعد خروجه، تلك اللحظة التي تصبح شغله الشاغل، اللحظة التي يعلق عليها كل أحلامه، والطيف الذي لا يغادر عقله ثانية واحدة، اللحظة التي تشعر قلبك يقفز فرحاً كلما استذكرتها، لحظة الحرية.

يصعب عليّ وصف ما كنت أشعر به، لكنه و بلا شك كان من أجمل ما شعرت منذ أن وجدت على هذه الأرض..رؤية الأهل بعد طول فراق، أحضان الأصدقاء و حماسهم، معانقة الأرض التي ضحيت من أجلها..ولعل أكثر الأمور التي تركت أثراً و فرحاً في قلبي، مساندة الشارع الفلسطيني، والبيرزيتي بالأخص و فرحتهم لخروجي من السجن، و المباركات التي أغرقت روحي بالفخر بنفسي وبهم.

في الختام، تجربة الاعتقال تضيف إلى جعبة الأسير الكثير من التجارب و تمكنه من التعرف على شخصيات نضالية من كافة الفصائل ضحت في سبيل هذا الوطن و تحريره، وبالرغم من صعوبتها إلّا أنها ضافت إلى شخصيتي الكثير و علمتني كيف أتعامل و أتعايش مع أشخاص لم يسبق لي أن رأيتهم في حياتي من قبل، و زادت من رباطة جأشي و قدرتي على التحمل، و الأهم قربتني من الله جل جلاله و نمتني ثقافياً و رياضياً.

كلمات مفتاحية:
الأسير عبد الرحمن حمدان

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2016