الشهيد سعيد أبو الوفا .. بكاه كل من عرفه

فلسطين - الانتفاضة

على تلال جبلية أفاقت الزاوية على خبر فاجعة حلت بالقرية وأهلها، خبر استشهاد ابنها سعيد جودت أبو الوفا، فتوقفت كل أشكال الحياة عند هذه اللحظة.

 أغلقت البقالات الصغيرة أبوابها، ولم تتوجه المواشي للمراعي، وكثير من نساء القرية لم تطهو لأبنائهن في هذا اليوم، وخيم على الزاوية ظلال غريب. فبعد أن انقشعت غيوم الخير، داهمت غمامة ثقيلة سوداء سماء القرية.
 
رجال مسنون لم يتمكنوا من مزاحمة الشباب في مسيرهم إلى المستشفى لمرافقة جثمان الشهيد، اصطف العشرات منهم، رغم برودة الجو، على أسوار القرية بانتظار العائد محمولاً على الأكف.

 أما نساء القرية، فقد أخذن من نوافذ بيوتهن مواقع يرقبن من خلالها كل من يدخل القرية أو يخرج منها. أما الأطفال، فقد تحدوا برودة الجو، ورابطوا في كل أزقة القرية، يرفعون صوراً للشهيد، وآخرون يرفعون رايات التنظيم، وأعلام فلسطين.
 
يمر الوقت، يتحرك الشباب باتجاه المقبرة، يدركون أن الوقت ما زال باكراً، لكنهم يحاولون الاستعداد بما يليق بقدر الشهيد، فها هم يحفرون القبر ويجهزون كل متطلبات الدفن، فيما ينشغل بعضهم بتجهيز مكبرات الصوت، فاليوم تأبين شهيد الزاوية، ولا بد أن يعلو صوت الشهيد ليعانق السماء، ولا بد من صدى الأصوات أن يتطاير عبر الجبال.

بعد طول انتظار تلوح في الأفق رايات وأعلام من فوق موكب سيارات، تنطلق مكبرات الصوت بآيات من القرآن الكريم معلنة وصول ابن الزاوية. تنشق الأرض، من أين جاء كل هؤلاء؟ مئات انتشروا على أطراف الشوارع، فتحولت الصورة، واكتظ المشهد بالبشر، إنها حكاية الشهداء. وسط القرية، اختطف الرجال، أم الشباب جثمان الشهيد، وطاروا به إلى بيته، هناك حيث تبقى له وداع من أحبوه.
وبعد أن سمع كلمات الحب، والدعاء لله، وبعد أن امتلأت حدقات العيون بالدمع والنظر لوجهه المشرق، طار الجثمان من جديد واستقر فوق الأكف. هي صورة قد تتكرر في مناسبات مماثلة، لكنها في قرية صغيرة كما الزاوية لها شكل آخر.
 
وكما يحب، وكما يليق بكل الأطهار، حل ضيفاً على بيت الله، هناك ليهدأ وليكن آخر عهد له في بيت من بيوت الله، ومن ثم ليشهد صلاة العصر بحضور قلما شهدته القرية، فقد وصل الزاوية مئات من أبناء القرى والبلدات المجاورة، ومن أصدقاء الشهيد. حيث كانت الصلاة، ومن ثم صلاة الجنازة، وتكبيرات الله أكبر، لينقل في موكب مهيب يليق بالشهداء إلى مقبرة القرية.
 
ومهما ألقيت من كلمات في حضرة الشهيد، يكاد المرء يجزم وبكل ثقة أن المتحدثين ما عادوا قادرين على وفاء الشهيد حقه، بعد أن خانتهم اللغة، لولا آيات من القرآن الكريم، يصف بها الشهداء بالأحياء.
وبعد أن انتهى التشييع وبعد أن انفض الجمع، لم تعد الحياة للقرية، التي ما زالت تعيش أجواء الصدمة، غير واثقة بروايات الاحتلال، ولكنها مؤمنة بقضاء الله وقدره، محتسبة ابنها عند الله.

كلمات مفتاحية:

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2016