الشهيد أبو غنام.. تقمص دور الشهادة طفلاً فنالها شاباً
الشهيد محمد أبو غنام

القدس - انتفاضة

"يهود وعرب" لعبة كانت تحمل في ثناياها أمنية الشاب محمد أبو غنام منذ الصغر، والذي كان ينتهز لهو رفاقه بلعبتهم المفضلة، ويطلب منهم دائما أن يلعب هو دور الشهيد المحمول على الأكتاف، فكان يسترخي بجسده الصغير بين أيديهم، ويفتح عينيه قليلاً ناظراً إلى السماء وكأنه يتمنى الصعود إليها.

كبر أبو غنام وكبرت لعبته وأمنيته بنيل الشهادة التي تنقله إلى جنات الخلد، والتي كان يجهر بها كثيراً، ويخبر بها والدته التي ترفض ما يقول، فقلبها المحب له يريده إلى جوارها في الدنيا، لتأتي لحظة تحقيق الحلم بعد أن خرج من المنزل باسماً قاصداً ساحة الوغى، لتتحول لعبة الطفولة إلى حقيقة.

فبقلب عامر بالإيمان والطمأنينة، اتجه المقدسي محمد أبو غنام (22 عامًا) إلى ساحات المواجهة مع جنود الاحتلال ببلدة الطور شرق مدينة القدس المحتلة بعد مسيرات جمعة الغضب، متقدماً الصفوف الأمامية، وهو يردد " بالروح بالدم نفديك يا أقصى"، وما هي الا لحظات حتى مزق رصاص الغدر جسده الطاهر، وحمل على الأكتاف بعدما نجح رفقاؤه المقدسيون من تهريب جثمانه من مستشفى المقاصد بالقدس المحتلة، الذي اقتحمته سلطات الاحتلال وحاصرت أجنحة منه.

وفي مشهدٍ يدمي القلوب، ظهر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لشابين مقدسيين يحملان جثمان الشهيد أبو غنام، ملفوفاً بقماش أبيض مغطى بالدماء، ويحاولان نقله إلى الجهة المقابلة لمواراته الثرى وإحباط محاولة الاحتلال لاحتجاز جثمانه.

موعد مع الشهادة

وبصوتٍ خنقته الدموع، سردت والدة الشهيد محمد تفاصيل آخر لحظات حياته، قائلة: " رجع ليلة الخميس من الرباط متأخراً ووجهه مفارقاً لابتسامته المعهودة وحين سألته ما به، أجاب بكلمة واحدة "الأقصى"، وبعد لحظات من الصمت قال: "والله بكرة يا أمي لأرفع راسك"، حينها أدركت ما يجول بخاطره وانتابني خوف كبير عليه لكني لم أنطق بكلمة وبقيت أراقبه طوال الليل".

وتتابع والغصة تعترض صوتها:" صباح الجمعة استيقظ مبكراً وارتدى أجمل ثيابه وتوشح بكوفيته واختار حذاءه الرياضي كي يساعده في الركض، ثم قبل جبيني وقال اليوم يومنا والأقصى عطشٌ لدمائنا، للحظة حاولت منعه لكني لم أستطع وبعد أن غادر انتابني شعور أني لن أراه مرة أخرى".

أما عن لحظة تلقيها خبر استشهاد نجلها البكر، فتحدثت والألم يعتصر قلبها: " عدتُ من القدس بعد صلاة الجمعة عند باب الاسباط، وبعد لحظات سمعت صوت صراخ وإطلاق نار، فشعرت باختناق وقبضةٌ شديدة بقلبي، فاتصلت بأختي في بلدة الطور وسألتها عما يجري، وإذا بها تقول: محمد استشهد، سمعت خبر استشهاده عبر الهاتف وكان بمثابة صدمة كبيرة لي".

وبنظرة فخر وتحدِ كبير، أضافت: "ابني غالٍ عليا وقطعة من روحي لكن القدس بتستاهل وابني فدا الأقصى، محمد رفع راسي باستشهاده والقدس كلها فخورة فيه"، مشيرة إلى أنه كان أحد المرابطين في الأقصى منذ سنوات، وفي أحداث القدس الحالية كثف رباطه منذ اليوم الأول إلى أن توج الله رباطه بالشهادة التي تمناها.

وتستذكر والدة الشهيد، كلمات نجلها الطالب في علم الحاسوب بجامعة بيرزيت قائلة : " كنت دائماً أقول له بدي تتخرج بسرعة عشان أزوجك، ولكن كانت إجابته دائماً أنا بدي أتزوج بالجنة من حور العين، وأخذك معي على الجنة لتفرحي فيا".

وتصف الوالدة نجلها، بصاحب الوجه البشوش والحنون، المحبوب لدى كل من عرفه وتعامل معه، حيث كان ملتزماً ومواظباً على صلاته في القدس منذ صغره، ولم يغضبها يوماً بل كان دائماً يسعى لإرضائها محباً لأشقائه وأقاربه، محباً للمساعدة وخدمة الناس.

وأكدت أن حب الوطن والأقصى كان يملأ فؤاده، ورغبة الموت في سبيل الله شهيداً لم تفارقه طيلة حياته فقد كان دائم التفكير بها ويعدد محاسن الشهداء ويتمنى أن ينال مكانتهم في الجنة.

بدون وداع

ولم يتسع الوقت لأم الشهيد محمد، أن تقلي عليه نظرة الوداع وتطبع أخر قبلة على جبينه، فقد رحل سريعاً إلى جنان الخلد دون أن تحتضنه ليواري الثري في دفء الأم "مدينة القدس"، خوفاً من أن تشتعل حرارة القلوب عليه ألماً وهو في برد ثلاجات الاحتلال.

ولم يبق للأم المكلومة سوى قميصه المخضب بالدماء لتحتضنه تارة وتقبله تارةً أخرى، وهي تستنشق عبير رائحته التي لا تود أبداً أن تفارقها، فتقول والحسرة تعلو ملامح وجهها الشاحب:" راح محمد وما ودعته، كان نفسي أحضنه زي باقي أمهات الشهداء، لكن ما قدرت لأنهم دفنوه بأقل من ربع ساعة لأن قوات الاحتلال حاصرت مستشفى المقاصد وكانت تنوي أسر جثمانه وتشريحه أو المساومة عليه".

وأعربت أم محمد، عن حزنها وألمها الشديد حينما شاهدت جثمان نجلها يهرب من فوق حائط المستشفى، معتبرةً حرمانها من وداعه أخف ألماً من احتجاز جثمانه لدى الاحتلال واحتراق قلبها كل لحظة عليه والتفكير بما يفعلون به.

موكب التشييع

وفور تهريب جثمان الشهيد أبو غنام من مستشفى المقاصد ببلدة الطور، انطلق موكب التشييع الصغير الذي اقتصر على رفقاء وأقارب الشهيد، باتجاه منزل والده سريعا ومن ثم مواراته الثرى في مقبرة البلدة.

وتمنت والدة الشهيد أن يزف نجلها إلى مثواه الأخير، بموكبٍ كبير وأن يلقي ذويه النظرة الأخيرة عليه، وقراءه الفاتحة له والصلاة عليه، وما يصاحبها من دعاء له، لكن قوات الاحتلال لم تكتف ِ بحرمانها من بقائه بجوارها حياً، فقد لاحقه شهيداً أيضاً، ليدفن على عجل وفي غضون نصف ساعة أو أقل.

وأوضحت الوالدة، أنها ليست المرة الأولى التي يسعى فيها الاحتلال إلى سرقة جثامين الشهداء واحتجازها، بل إنها سياسته المتبعة فور ارتقاء أي شهيد، للمساومة عليه ومعاقبة ذويه، كي تبقى مشاعر الحسرة في نفوسهم.

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2016