الأسير محمد ابراش .. لا تقولوا لأمي أني أصبحت أعمى
الأسير محمد ابراش

نابلس - انتفاضة

كتب الأسير محمد إبراش، من مخيم الأمعري بمدينة رام الله، رسالة لشقيقه قبل قبل سنوات، عن ظروف اعتقاله وماذا تعني له حياة السجن التي كز كز ونظره .

وفيما يلي نص الرسالة:

" .. لا تقل لأمي بأني صرت أعمى، هي تراني وأنا لا أراها، أبتسم وأتحايل عليها على شباك الزيارة عندما تريد أن تريني صور إخوتي وأصدقائي وجيران الحارة، فهي لا تعرف أني أصبحت كفيفا بعد أن دب المرض في عينيّ حتى غزت العتمة كل جسدي.

لا تقل لها بأني انتظر عملية جراحية لزراعة القرنية منذ سنوات، ولكن إدارة السجن تماطل ثم تماطل.. وتستدعي إلى عيني كل أسباب الرحيل عن النهار.

لا تقل لها بأن شظايا الرصاص والقذائف التي أصبت بها لا زالت تطرز جسدي، وأن قدمي اليسرى قد بترت واستبدلت بقدم بلاستيكية، أما اليمنى فقد تعفنت وجفت من الماء والحياة.

لا تقل لأمي عن تحرر إحساس الأسير من عناصر التكوين الأولى، محكوما برؤيا الحديد والرماد، فلا أبيض يشع، ولا فرس تسرج الصمت أملا يطيل الرجاء.

قل لها: بأني حيّ وسليم، أرى وأمشي وأركض والعب وأقفز وأكتب وأقرأ، حاملا وجعي على عكازتي، وأرى شقيقي الشهيد قمرا يفرش السماء ويناديني بقوة البرق والرعد والسحاب.

لا تقل لها باني لا أعرف النوم، أعيش على المسكنات حتى تخدر جسمي، أتحسس حاجياتي فأرتطم بالبرش الحديدي، وبزميل ينام قربي، فينهض ليساعدني في الوصول الى الحمام. اليقظة تؤلمي والنوم لا يأتيني.

لا تقل لأمي بأن بارودا دخل الى مقلتي في ذلك اليوم الدامي في شوارع المخيم، قنصوني حتى طارت قدمي وسال الدم من بصري، وقبل أن أفقد الوعي رأيت طفلا يجري نحوي حاملا علما وهو يصيح: شهيد شهيد.

قل لها: إن كان حلمي لا يكفي، لك حنين بطولي لا يغادرني، ولي منك لغتي وحليبي ورموزي على الجدران أكشط بها وجعي كلما غاب الضوء من حولي. قل لها بأني أتبع دعاءك الرمضاني إلى غيمة في يدي لأصل معيدي بعد أن ضاق بي جسدي، وربما أعود أو لا أعود، ولكني تركت الباب مفتوحا، واخترت الوقوف قرب قلبك كأني اخترت غدي.

لا تقل لأمي أن "دولة إسرائيل" في القرن الواحد والعشرين حولت السجون الى أماكن لزرع الأمراض، وإذابة الأجساد رويدا رويدا، حتى صارت السجون حقول تجارب على الأحياء الذين سيموتون بعد قليل

لا تقل لها بأني أصبحت أحفظ كل أسماء العلل العجيبة والأدوية الغريبة وأنواع المسكنات أبلعها، وأنا أرى صديقي زكريا عيسى يدخل في غيبوبة طويلة في اللازمان قبلي.

لا تقل لأمي عن الأسرى المرضى الذين فاض الداء في أجسامهم جنونا وحربا: أحمد أبو الرب، وخالد الشاويش، أحمد النجار، منصور موقدة، أكرم منصور، أحمد سمارة ، وفاء البس، ريما ضراغمة، طارق عاصي، معتصم رداد، رياض العمور، ياسر نزال، أشرف أبو ذريع، جهاد أبو هنية، يذبحهم السجن والمرض واستهتار "دولة" تجيد تصدير الموت والجنازات للآخرين.

قل لها: لا زلت على بعد ثلاثين بابا من البيت، أدنو منه كلما طار طائر واشتعلت النار في عيني ولسعتني الأسلاك بين أضلاعك والصلوات الخمس، اللهم فك أسرهم واربط على قلوبهم الصبر والسلوان".

كلمات مفتاحية:
الأسير محمد ابراش

نبذه عنا

يسعى موقع "الانتفاضة" لأن يكون المرجع الأول لكل الباحثين والراغبين وكل المهتمين بالاطلاع على سير الانتفاضة في فلسطين المحتلة، من خلال نقل صورة الانتفاضة والتأريخ لها وتوثيق أحداثها كاملة والتعريف بشهدائها وأبطالها وعملياتها النوعية وتصاعد العمل الفدائي فيها، وما يتزامن مع ذلك من اعتداءات إسرائيلية يومية.

تابعنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الانتفاضة © 2016